محمد جمال الدين القاسمي

151

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

نذكر ، فتقتبس بها علم ما تتشوّف إليه من الأمور المستقبلة ، وتعود به إلى مداركها . فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا ، وغير جليّ بالمحاكاة ، والمثال في الخيال لتخلطه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير ، وقد يكون الاقتباس قويا يستغنى فيه عن المحاكاة ، فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس ، أنها ذات روحانية بالقوة ، مستكملة بالبدن ومداركه ، حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودها بالفعل ، فتكون حينئذ ذاتا روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية ، إلا أن نوعها من الروحانيات دون الملائكة ، أهل الأفق الأعلى ، على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن ولا غيره ، فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن . ومنه خاصّ ، كالذي للأولياء . ومنه عامّ للبشر على العموم ، وهو أمر الرؤيا . وأما الذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات . ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي ، وهي عندما يعرج على المدارك البدنية ، ويقع فيها ما يقع من الإدراك ، شبيها بحال النوم شبها بينا ، وإن كان حال النوم أدون منه بكثير ، فلأجل هذا الشبه عبّر الشارع عن الرؤيا بأنها ( جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) و في رواية ( ثلاثة وأربعين ) ، وفي رواية ( سبعين ) وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات ، وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب ، بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه ، وهو للتكثير عند العرب ، وما ذهب إليه بعضهم في رواية ( ستة وأربعين ) من أن الوحي كان في مبتدئه بالرؤيا ستة أشهر ، وهي نصف سنة ومدة النبوة كلها بمكة والمدنية ثلاث وعشرون سنة ، فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين - فكلام بعيد من التحقيق . لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء ؟ مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبوة ، ولا يعطي نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة . وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولا ، علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر ، إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم ، صلوات اللّه عليهم ، إذ هو الاستعداد البعيد . وإن كان عامّا في البشر ، ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل . ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ، ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم ، الذي هو جبلّيّ لهم ، فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق ، فتدرك بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب . ولذلك جعلها الشارع من